ابن كثير

131

البداية والنهاية

من حديث الأعمش عن إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه قال : كنا عند حذيفة فقال له رجل : لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلت معه وأبليت ، فقال له حذيفة : أنت كنت تفعل ذلك ؟ لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا رجل يأتيني بخبر القوم ، يكون معي يوم القيامة ؟ [ فسكتنا ] ( 1 ) فلم يجبه منا أحد ، ثم الثانية ثم الثالثة مثله . ثم قال : يا حذيفة قم فأتنا بخبر القوم ، فلم أجد بدا إذ دعاني باسمي أن أقوم ، فقال [ اذهب ] ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم علي . قال : فمضيت كأنما أمشي في حمام ( 2 ) حتى أتيتهم ، فإذا أبو سفيان يصلي ظهره بالنار ، فوضعت سهما في كبد قوسي ، وأردت أن أرميه ، ثم ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تذعرهم علي ، ولو رميته لأصبته ، فرجعت كأنما أمشي في حمام ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصابني البرد حين رجعت وقررت ، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وألبسني من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها ، فلم أبرح نائما حتى الصبح ، فلما أن أصبحت ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قم يا نومان ( 3 ) ! وقد روى الحاكم والحافظ البيهقي في الدلائل هذا الحديث مبسوطا من حديث عكرمة بن عمار ، عن محمد بن عبد الله الدؤلي ( 4 ) عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة قال : ذكر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جلساؤه : أما والله لو كنا شهدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا . فقال حذيفة : لا تمنوا ذلك لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعود : وأبو سفيان ومن معه فوقنا ، وقريظة اليهود أسفل منا ، نخافهم على ذرارينا ، وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحا منها في أصوات ريحها أمثال الصواعق وهي ظلمة ، ما يرى أحدنا أصبعه فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون : إن بيوتنا عورة وما هي بعورة ، فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له ، ويأذن لهم ويتسللون ونحن ثلاثمائة ونحو ذلك ، إذا استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . رجلا ، رجلا حتى أتى علي وما علي جنة من العدو ، ولا من البرد ، إلا مرط لامرأتي ما يجاوز ركبتي قال : فأتاني وأنا جاث على ركبتي فقال : من هذا ؟ فقلت : حذيفة ، فقال حذيفة ! فتقاصرت للأرض فقلت : بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم ، فقمت ، فقال : إنه كائن في القوم خبر ، فأتني بخبر القوم . قال : وأنا من أشد الناس فزعا وأشدهم قرا . قال : فخرجت ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اللهم احفظه من بين يديه ، ومن خلفه ، وعن يمينه ، وعن شماله ، ومن فوقه ومن تحته " قال : فوالله ما خلق الله فزعا ولا قرأ في جوفي إلا خرج من جوفي ، فما أجد فيه شيئا . قال : فلما وليت ، قال :

--> ( 1 ) من صحيح مسلم . ( 2 ) كأنما أمشي في حمام : أي انه لم يجد من البرد الذي يجده الناس ، ولا من تلك الريح الشديدة مشيئا بل عافاه الله ، ببركة إجابته للنبي صلى الله عليه وسلم فيما وجهه إليه . ( 3 ) صحيح مسلم : في 32 كتاب الجهاد 36 باب غزوة الأحزاب ح‍ 99 . ( 4 ) في البيهقي : محمد بن عبيد أبي قدامة الحنفي .